محمد بن الطيب الباقلاني

343

الإنتصار للقرآن

منزلة عن ذلك ، فإنّه باطل لا تعلّق لهم فيه ، وذلك أنّ إخباره عليه السلام بأنّ القرآن منزل على سبعة أحرف وأوجه من القراءات كلّها جائزة وحسنة وصواب ، لأنّها في الخبر ، غير أنّه قد أنزله على سبعة أحرف هي أوجه أخر منها أمر ومنها نهي ومنها وعد ومنها وعيد ومنها قصص وأمثال وتحليل وتحريم ، فلا تكون هذه السبعة هي التي إذا اختلف المختلفون فيها وجعلوا مكان كلّ شيء منها غيره فقد أحسنوا وأصابوا ، بل لا يمتنع أن تكون هذه السبعة الأوجه والأقسام قسما من السبعة الأحرف التي أنزل اللّه القرآن عليها ، وباقي السبعة يصوّب المختلفون فيها سوى هذا الوجه ، ولا يمتنع غير ذلك على ما سنشرحه فيما بعد إن شاء اللّه ، وإذا كان ذلك كذلك بطل توهّمهم لتعارض هذين الخبرين ، وإحالة هذا التفسير على الرسول عليه السلام . وأمّا قولهم : إنّ روايتكم في هذا متناقضة لأجل أنّكم قد رويتم عن النبيّ صلّى اللّه عليه أنّ القرآن نزل على ثلاثة أحرف ، وأنّه قال في خبر آخر : « أنزل على أربعة أحرف » ، فإنّه أيضا لا شبهة فيه لعالم ولا تعلّق ، وذلك أنّ أوّل ما في هذا الباب أنّ الثلاثة والأربعة / داخل في السبعة ، فيمكن أن تكون [ 216 ] هذه الأحرف أنزلت أولا فأوّل ، وأنزل منها ابتداء ثلاثة فقط ، ثم زيد الرسول عليه السلام رابعها ، ثم زيد ثلاثة فصارت سبعا ، هذا غير ممتنع لولا أنّ في لفظ إخبارنا بأنّه أنزل على سبعة ما يمنع هذا التأويل ، ولكن لهم من الزيادة ما لم يدخلوه في شيء من اعتراضهم ، وهو أنّ في كثير من الروايات أنّ الملك قال : على حرف أو حرفين ؟ فقال الملك الذي معي عن شمال : على حرفين ، فقال الملك : على حرفين أو ثلاثة ؟ فقال : على ثلاثة ، إلى أن بلغت سبعة أحرف ، وهذا اللّفظ يقتضي أن يكون قد أقرئ بالسبعة جملة ، وشرع له ذلك في مجلس واحد ، على أنّه يحتمل أن تكون بعض تلك